ابن قيم الجوزية

326

الروح

فصل [ الفرق بين الحزم والجبن ] وأما الفرق بين الحزم والجبن فالحازم هو الذي قد جمع عليه همه وإراداته عقله ووزن الأمور بعضها ببعض فأعد لكل منها قرنه ، ولفظة الحزم تدل على القوة والإجماع ومنه حزمه الحطب فحازم الرأي هو الذي اجتمعت له شؤون رأيه وعرف منها خير الخيرين وشر الشرين فأحجم في موضع الإحجام رأيا وعقلا لا جبنا ولا ضعفا : العاجز الرأي مضياع لفرصته * حتى إذا فات أمر عاتب القدر فصل [ الفرق بين الاقتصاد والشح ] وأما الفرق بين الاقتصاد والشح ، أن الاقتصاد خلق محمود يتولد من خلقين عدل وحكمة فبالعدل في المنع والبذل وبالحكمة يضع كل واحد منهما موضعه الذي يليق به فيتولد من بينهما الاقتصاد وهو وسط بين طرفين مذمومين كما قال تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً « 1 » وقال تعالى : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً « 2 » وقال تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا « 3 » . وأما الشح : فهو خلق ذميم يتولد من سوء الظن وضعف النفس ويمده وعد الشيطان حتى يصير هلعا والهلع شدة الحرص على الشيء والشر به فيتولد عنه المنع لبذله والجزع لفقده كما قال تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً . إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً . وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً « 4 » . فصل [ الفرق بين الاحتراز وسوء الظن ] والفرق بين الاحتراز وسوء الظن ، أن المحترز بمنزلة رجل قد خرج بماله ومركوبه مسافرا فهو يحترز بجهده من كل قاطع للطريق وكل مكان يتوقع منه الشر وكذلك يكون مع المتأهب والاستعداد وأخذ الأسباب التي بها ينجو من المكروه ، فالمحترز كالمتسلح المتدرع الذي قد تأهب للقاء عدوه ، وأعد له عدته فهمه في تهيئة أسباب النجاة ، ومحاربة عدوه قد أشغلته عن سوء الظن به وكلما ساء به الظن أخذ في أنواع العدة والتأهب .

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية 29 . ( 2 ) سورة الفرقان ، الآية 67 . ( 3 ) سورة الأنعام ، الآية 141 . ( 4 ) سورة المعارج ، الآية 19 و 20 .